الاسم: مولاي التهامي بهطاط
البلد: المغرب
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,ديانات
أظهر كافة المعلومات
| ► | يناير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

يذكر دارسوا الأدب العربي في العهد الأموي أن حكام تلك المرحلة تميزوا بدهاء سياسي خارق للعادة تجسد في مؤسس الدولة معاوية ابن أبي سفيان، وفي كثير ممن ورثوا العرش بعده.
ومن أهم مظاهر هذا الدهاء الدور الذي لعبه كل من الفرزدق وجرير والأخطل في "تنشيط" الحياة الثقافية عبر تبادل الهجاء في ما بينهم خاصة بالنسبة للفرزدق الشيعي المتعصب لآل البيت، الذي يعود نسبه إلى سلالة مضر بن نزار من تميم، ويوصف بأنه شعراء الطبقة الأولى، وهو وأبوه ومن نبلاء قومه وسادتهم، وجرير الذي لم تكن له عائلة يفتخر بها أو نسب كريم، وكان والده على قدر كبير من الفقر، ولكن جده حذيفة بن بدر كان يملك قطيعا كبيرا من الحمير والغنم وكان ينظم الشعر وكذلك كانت أمه.
أما الأخطل فيكفي أنه الشاعر الذي كان يدخل على الخليفة ولحيته تقطر خمرا..
إن هذا الثلاثي لعب في فترة معينة دورا خطيرا في شغل الناس عن الخوض في أمور السياسة، علما أنه وعكس ما توحي به قصائد الهجاء المتبادل، فقد كان جرير والفرزدق صديقين حميمين وبالتالي فقد كانا يلعبان لعبة النظام ويستمتعان بها.
لم أتعمد التذكير بهذه الوقائع التاريخية من باب ملء الفراغ، ولكن بسبب الحروب البينية الناشبة حالياً في الوسط الصحفي المغربي، لينضاف بذلك الصحافيون إلى اللائحة الطويلة من المشبوهين..
ففي المغرب اليوم أصبحت بعض المهن، وعكس ما يفترض أن توحي به من طمأنينة وأمان، تهمة تلاحق ممتهنيها حتى ولو كانوا من الفئة التي مازالت يدها نظيفة..
فمن يثق اليوم في المحامي الذي يفترض أن يكون جدار الدفاع الصلب عن حقوق موكليه..ألم يصبح عادياً تحول المحامي إلى متهم من طرف من استأمنوه على حقوقهم؟
ومن يثق اليوم في الموثق الذي يفترض أن يضبط واجبات والتزامات الأطراف المتعاقدة، ألم تتواتر أخبار النصب "العقاري" التي أبطالها موثقون وموثقات؟
ومن يثق اليوم في الطبيب الذي يفترض أن يكون أمينا على صحة مرضاه، ألا يفحص كثير من الأطباء أول ما يفحصون جيب المريض ومحفظته وحسابه البنكي ليحددوا نوع المرض الذي سيعالجونه منه؟
ومن يثق اليوم في رجل التعليم المؤتمن على تربية وتكوين رجال الغد، ألم يعد من الطبيعي جدا سماع أخبار أساتذة الجامعات وهم يجرون الاختبارات في غرف النوم ..كما ولدتهم أماتهم؟ ألم نسمع عن "معلمين" يبيعون النقطة مقابل هدايا من قبيل قنينات الشمبانيا المعتقة؟
وهلم جرا على هذا المنوال..
ألم يكف هؤلاء جميعاً حتى ينضاف إ
كما كان متوقعاً، أثار مقالي السابق الكثير من ردود الفعل إثر نشره بهذا الموقع ، حيث علق عليه العشرات من القراء (118 في المجموع)، كل بطريقته، لكن الغالبية العظمى ركبت قوارب السب والشتم، بل بلغ الأمر بالبعض حد التشكيك في إسلامي وتكفيري، وهي على كل ليست المرة الأولى التي تكشف فيها الردود المتشنجة حجم القصور الفكري لدى كثير من متصفحي شبكة الانترنيت، وسوء إدراكهم لمعنى الحرية المسؤولة في التعبير عن الرأي مع احترام الرأي المخالف طبعا، بل وضعف الفهم بشكل واضح لدى بعض المعلقين.
- سلاما..سلاما..سلاما…
كان المفروض عدم التعامل مع هذه الردود والترفع عن الدخول في سجال مع موقعيها، التزاما بقوله تعالى "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" (الفرقان / 63)، لكن بما أنها تعتبر في الواقع تصديقاً عمليا وصريحا لما ورد في المقال المفترى عليه، فقد كان ضروريا التوقف عندها بما تقتضيه المناسبة.
لقد توزعت الردود بين:
- قلة أقل من القليلة قرأت المقال كاملا وبموضوعية وتجرد، واختلفت أو اتفقت معه..
- قلة ركبت ما جاء فيه لتصفية حسابات ما مع حزب العدالة والتنمية..
- أغلبية ساحقة، لم تقرإ المقال كاملا أو على الأقل لم تتحل بالتجرد المطلوب، أو قرأته ولم تفهمه بسبب الغشاوة التي على أبصارها، وبسبب الدوغمائية ومنطق التسطيح والتبسيط والاختزال…
وردود هذه الفئة الأخيرة تحديدا هي التي تمثل دليلا عمليا على أن الحمق سماد اللحية بالنسبة للكثيرين..
فكلمة اللحية وردت في المقال ثلاث مرات على الأكثر ضمن ما يناهز 6100 كلمة، وفي سياق كاريكاتوري واضح ومع ذلك كانت كافية للحكم على كاتبه بالإلحاد والزندقة والكفر وما إلى ذلك وبالعربية والفرنسية..
لن أدخل هنا في سجال حول "الحكم الشرعي للحية"، لأن ذلك لم يكن مقصدا لا أساسيا ولا ثانويا للمقال، بل أكتفي بهذا التنبيه لتوضيح حجم السطحية التي تعامل بها كثير من الإخوة القراء، الذين حول بعضهم اللحية إلى "أصل" من أصول العقيدة وهو كلام ينم عن جهل تام، بل ذهب بعضهم إلى ما هو أبعد عبر تقديم تأويلات لما ورد في المقال، لا تصح حتى ولو تم جز رؤوس الكلمات وليس لي أعناقها فقط..
أما كيف يمكن اعتبار هذه المواقف تدليلا عمليا على صدق ما جاء في المقال، فذلك انطلاقا من أن كثيرا من المعلقين ينطلقون من تعاطف معلن مع حزب العدالة والتنمية، وهذا هو بيت القصيد.
فكثير من المتعاطفين مع هذا الحزب -كما بينت ذلك الردود المشار إليها- يمكنهم أن يتحولوا إلى وبال عليه في أية لحظة، تماما كما حدث لبعض قواعد الإخوان المسلمين في مصر، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر..وغيرهما، فالأنظمة في هذه الدول كانت تدرك أن سلطة "الحكماء" محدودة جدا مقارنة مع ارتجالية "الدهماء"، ولذلك كان يكفيها في كل مرة "تغييب" القيادات العاقلة وقطع خطوط الاتصال بينها وبين قواعدها، لتنطلق الغوغاء في الاتجاه الذي يبرر أخذ الحابل بالنابل..
أما مسؤولية حزب العدالة والتنمية عما يجري، فهي حتى وأن كانت نسبية أو معنوية أو حتى غير محددة، لكنها تبقى ثابتة، بما أنه نجح في بيع الوهم للجمهور، وتحول فعلا إلى عجلة احتياطية يمكن للنظام استخدامها في أية لحظة تتعطل فيها إحدى عجلات عربته المتهالكة..وهو ما بدا واضحا من كثير من الردود المتشنجة التي اخترعت معركة وخاضتها بأحط أساليب التعبير..مع أننا نتحدث هنا عن أشخاص يعرفون القراءة والكتابة على الأقل، ويستطيعون التعامل مع تقنيات الانترنيت..
-معجزة عصيد ومن معه..
نظرا لسوء الفهم الذي اتضحت معالمه من خلال ما جاء في أغلبية التعليقات، أرى أنه من الضروري العودة ولو باقتضاب إلى المحاور الثلاثة التي تناولها المقال المشار إليه، وأولها كيفية مواجهة الحرب على اللغة العربية..
لقد قلت إن هذه اللغة محفوظة بوعد إلهي لأنها الوعاء الحامل للقرآن، ويبدو أن هذا الكلام لم يعجب كثيرين ممن ندبوا أنفسهم للدفاع عن لغة تشير آخر الإحصائيات إلى أنها من أسرع اللغات انتشارا على شبكة الأنترنيت وأنها تتقدم في هذا المجال على اللغة الفرنسية بثلاث مراتب..
لكن يبدو أن الاستراتيجية التي يتبعها بعض أعداء هذه اللغة نجحت في حرف النقاش عن طريقه الصحيح، ليتحول إلى مزايدات فارغة..وحين أتحدث عن معجزة الأستاذ عصيد وغيره ممن ينسجون على منواله..فأنا أعني ما أقول، فكل السائرين في هذا الاتجاه يستعملون اللغة العربية للطعن فيها، لأنهم يعلمون أن استعمال لغة غيرها لن يؤدي إلى النتيجة المطلوبة، أي الاستفزاز ورد الفعل الغوغائي الذي يمثل أصلا مبرر الوجود الوحيد لهذا النوع من "النظريات"..
بعبارة أخرى نحن أمام تكرار - مع الفارق طبعا- لسجال طريف دار بين عمر بن الخطاب وأبي هريرة رضي الله عنهما والذي كانت خلاصته :"كيف قاءها إن لم يكن قد شربها؟"..وأعتذر عن عدم سرد هذه القصة حتى لا أمنح للجهال فرصة لحرف النقاش عن طريقه..
ولننظر فقط إلى ما حدث للقناة الثانية التي قال عنها الرئيس شيراك ذات زمن إنه لا خوف على الفرنكوفونية ما دامت الدوزيم في الساحة، وقد عشنا وعاش شيراك لنرى جميعا كيف أنها تحولت إلى طبل أجوف، وأنه مقابل حصتها المحدودة من برامج الأطفال المفرنسة مثلا، ظهرت في سماء المغرب عدة قنوات مختصة تبث برامجها على مدار الساعة وبلغة الضاد..واسألوا الأطفال إن كنتم لا تعلمون..
وهذا دون أن نذكر بحالة الجزائر التي خضعت لاحتلال استيطاني وثقافي دام أكثر من 130 سنة، بل ما زال لحد اليوم أصحاب القرار فيها هم المنتمون ل"حزب فرنسا"، ومع ذلك فإن الجرائد الناطقة بالعربية هي الأكثر مبيعاً وبفارق كبير جداً عن نظيرتها الفرنسية.
-الأخلاق والسياسة..
غضب كثير من المعلقين على ادعائي بأن السياسة والأخلاق ضدان لا يجتمعان على الأقل في زمن الناس هذا. وحتى لا أضطر إلى كثير من الشرح والتبسيط، أسوق فقط بعض الأمثلة التي لا تحتاج إلى ذكاء حاد لإدراك الغاية منها:
- فقصة التحكيم خلال الفتنة الكبرى وما انتهت إليه - حسب كثير من الروايات التاريخية- لم تكن في أية لحظة سبة في جبين الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه، رغم أنه خدع الصحابي الآخر أبا موسى الأشعري..وهي واقعة لا ندري كيف يمكن الحكم عليها من منظور أخلاقي..
- وإذا اعتبرنا أن ذلك من الوقائع التاريخية التي تحتمل وتحتمل..وما احتمل واحتمل سقط به الاستدلال كما يقال، فكيف نقرأ ترخيص حزب العدالة والتنمية التركي مؤخرا بافتتاح شاطئ للعراة، وغضه الطرف عن دور الدعارة والحانات وغيرها من أوكار الرذيلة؟
إن هذا الحزب يعطينا مثالا واضحاً للواقعية السياسية، فهو ينظر إلى الهدف الاستراتيجي على المدى البعيد، ولا يستنزف طاقاته في معارك هامشية لن تؤدي سوى إلى توحيد خصومه على حربه..وتبرير استهدافه..
- المثال الثالث هو لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وكيف تدير أمورها على كافة الأصعدة، ولا أعتقد أننا لو نظرنا إلى ذلك من زاوية أخلاقية ضيقة وفي كثير من النماذج، سنكون منصفين للحركة ورجالها وتاريخها..
-النقد الفني..
اعترف بداية بأنني شخصيا لا أسمع عن كثير من الأفلام والسهرات والمهرجانات إلا عبر بلاغات التنديد والبيانات "شديدة اللهجة" التي تصدر عن حزب العدالة والتنمية المغربي، ولذلك فحين أتحدث عن دعاية مجانية ل"العفن الفني"، فأنا أعني ما أقول، خاصة وأن هذه البيانات وتلك البلاغات تمثل جواز المرور نحو عالم الشهرة حتى بالنسبة لأردإ الأعمال "الفنية"..
ويكفي هنا أن أشير إلى مبدإ فقهي معروف ألا هو أن من شروط تغيير المنكر ألا يؤدي إلى منكر أشد..وحين نستحضر أن أول رد فعل على "انتقادات" حزب العدالة والتنمية هو السعي إلى مناكفته والمزايدة عليه، فلا أدري ما هي القيمة المضافة لمعارك من هذا النوع سوى إيجاد المبرر لفتح سماء المغرب وأرضه أمام مزيد من مظاهر الانحراف..بل وبدعم سخي أحيانا من المجالس البلدية التي يقودها أو يشارك فيها العداليون..
وقد كان حد أدنى من الذكاء السياسي هنا كفيلا بتحويل المعركة في اتجاه آخر..فهناك علماء ومؤسسة دينية رسمية، تتحمل قبل غيرها مسؤولية تقويم الاعوجاجات إن وجدت، كما فعل أحد المجالس العلمية بالدار البيضاء على خلفية مهرجان موازين الأخير..وكما يفعل الأستاذ بنحمزة في كثير من مقالاته مثلا..
إن علماء المغرب ليسوا معزولين عن الواقع، أو خاضعين للوصاية المطلقة كما يعتقد البعض، بل إن كثيرا
من المعروف أن الراحل الدكتور الخطيب كان قد التمس في وقت من الأوقات من العاهل الراحل تأسيس حزب "إسلامي"، فنصحه - من باب السخرية ربما- بتأسيس زاوية..والسبب كما كان واضحا يومها يتعلق بمبررات داخلية (مظلة أمير المؤمنين..مثلاً) وأخرى خارجية (تناسل حركات الإسلام السياسي، الثورة الإيرانية..)..
لكن شاءت الظروف أن يعهد العاهل الراحل، بعد ذلك بسنوات إلى نفس الشخص، الدكتور الخطيب، بمحاولة إدماج جزء من الحركة "الإسلامية" في العمل السياسي الشرعي والطبيعي..ولم يكن في ذلك إي انقلاب على المواقف السابقة، فقد أدرك الحسن الثاني رحمه الله مرة أخرى أن هناك عوامل داخلية وأخرى خارجية أثرت بشكل واضح في معطيات المعادلة..
فتيارات الإسلام السياسي رغم البطش والتضييق الذي تعرضت له في بعض الدول العربية، تغولت -في غياب أي أفق ديموقراطي- بل أصبحت أحيانا القوة السياسية الوحيدة في الساحة، القادرة على تعبئة الجماهير وعلى اختراق أكثر المؤسسات تحصينا كالجيش مثلا كما حدث في مصر مع السادات..بل لم يعد هنا ما يقف في طريقها لاكتساح الانتخابات مهما كانت درجة شفافيتها كما حدث في تونس بعد بورقيبة وفي الجزائر مع الشاذلي..
إلى ذلك لم يكن خافيا على العاهل الراحل أن هناك فعلا تيارا "إسلاميا" يخترق المجتمع، وأنه ما لم يتم احتواء جزء منه -على الأقل- ومحاولة تدجينه وسحب ورقة "ضحية القمع" من بين يديه، فإن تجارب الستينات والسبعينات مع اليسار ستتكرر في المغرب الذي كان بصدد الانتقال من عهد إلى عهد..
هذه المعطيات وغيرها لعبت دورها في أن يجد الراغبون من الإسلاميين في المشاركة في الحياة السياسية تحت الضوء وفوق الأرض، منفذا نحو الشرعية هو اليوم حزب يحمل اسم "العدالة والتنمية"..
لست هنا بتقديم جرد تاريخي بل أحاول تقويم هذه التجربة التي يمكن القول إنها فشلت في النهاية للأسباب التالية..
فإضافة إلى الصعوبات المنهجية والواقعية التي يفرضها الجمع بين عباءة السياسي وعمامة الفقيه، هناك عوائق أخرى لا يمكن القفز عليها عند ربط السياسة بالأخلاق.
ولنكن واقعيين، فالسياسة الناجحة لا يمكن أن تكون لها أخلاق، بغض النظر عما يروج اليوم من شعارات "التخليق"..فحين تنزل إلى الساحة لا يمكنك أن تحدد وسائل المواجهة ما لم تكن شاركت في تحديد قواعد اللعبة أصلا، وهو ما يبدو غائبا عن "الإخوة" في العدالة والتنمية…
هذا بشكل عام، أما إذا أردنا النظر إلى الأمر من زاوية أقرب، فسنكتشف أن مناضلي هذا الحزب ومنظريه سقطوا في الفخ الذي نصب لهم..
ففي سورة الأنعام يقول تعالى"َلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"..وهي آية واضحة في تجنب سب معتقدات المشركين حتى لا يكون ذلك مدخلا لسب الله تعالى.. وهو مفهوم يمكن سحبه على الكثير من المعارك التي خاضها هذا الحزب في السنوات الأخيرة..تحت عنوان "تغيير المنكر"، الذي من أول شروطه ألا يؤدي إلى منكر أكبر..
إن تخصص حزب العدالة والتنمية في مهاجمة المهرجانات والأفلام وبعض مظاهر الانحلال الأخلاقي، تحولت إلى دعاية مجانية يبدو أن الحزب يمارسها عن وعي وسابق تخطيط..
فكلنا نعلم أن هجومه على إلتون جون مثلا، ساهم بشكل واضح في إنجاح حفل هذا الأخير بشكل لم يكن يتوقعه أحد، لأن كثيرا من الذين حجوا لمتابعته ربما دفعهم الفضول والتطلع إلى ما إذا كان المغني البريطاني سيعري مؤخرته أمام الجمهور، أو سيتبادل القبل الساخنة على الهواء مباشرة مع العازفين في فرقته..
والأنكى من ذلك، أن "جهاد" العدالة والتنمية في هذه الجبهة سيؤدي إلى عكس ما كان يطمح إليه "المجاهدون"، فأنا على يقين أن المهرجانات المستقبلية ربما بدأت منذ الآن في البحث عن مشاهير عالم الشذوذ والسحاق لدعوتها للمشاركة تحت سماء المغرب "المتعدد" و"المنفتح"…فهنيئا لبنكيران وأله وصحبه..بهذا الإنجاز..
أما الأفلام، فقد أصبح هذا الحزب متخصصا ليس فقط في الدعاية المجانية لها، بل أيضا في توفير الدعم المادي الداخلي والخارجي لمنتجيها، لأن أي دخيل على مجال السينما يمكنه أن يتحول إلى نجم بمجرد ما يقدم نسخة من فتاوى البي جي دي التي تستهدفه وتضيق على حقه في "الإبداع"..
إن أسوأ ما في الموضوع أن أعمالا تافهة قد لا يلتفت لها أحد لو تركت وشأنها، لكنها سرعان ما تحقق أرقاماً قياسية في معدلات المشاهدة ويتلقى أصحابها الدعوات من الشرق والغرب للمشاركة في المهرجانات السينمائية..بحيث يحصل نكرات على اعتراف دولي بالاضطهاد بسبب "حق الإبداع" ما يفتح لهم الباب للتسول اعتمادا على الجهالة الجهلاء للنقاد الملتحين..
ثالثة الأثاف

أنور مالك (الصورة) المقصود هنا هو الصحفي الجزائري المشهور جداً، أما الصحراء فهي بالتأكيد الصحراء المغربية.
القصة باختصار تدور حول ما نشره السيد أنور على حلقات حول مشاركته في أحد الملتقيات الدولية بمدينة الداخلة.
لسنا بصدد مصادرة حق هذا الصحفي في التعبير عما رآه وبالطريقة التي تناسبه، لكن المفروض في اسم من هذا العيار يطل على المشاهدين عبر العديد من المنابر والمواقع الإلكترونية والفضائيات، أن يحترم ذكاء القراء لأنهم ليسوا جميعا من عينة مواطنيه الجزائريين الذين غسل الإعلام الستاليني عقولهم.
لقد كان واضحا من خلال سلسلة المقالات المشار إليها أن السيد أنور مالك رغم ادعائه بداية بأنه دخل الأقاليم الجنوبية بنية التجرد من كل المواقف المسبقة والأحكام التعميمية، لبناء رأي نزيه وموضوعي اعتمادا على مشاهداته الشخصية بعين المكان، لكنه سرعان ما لحس هذا الادعاء، وكرس قلمه لاجترار المقاربات المغلوطة التي تمثل رأسمال الصحافة الجزائرية حين يتعلق الأمر بالتعاطي مع قضية الصحراء تحديداً.
لقد بدا واضحا من كتاباته، أنه حاول أن يعطي لكل شيء وزنا أكثر مما يستحق، من قبيل تعاطف أطفال الداخلة مع المنتخب الجزائري، وتقديم ذلك على أنه برهان على شيء ما والحال أن الشباب المغربي في أغلبيته الساحقة كان متعاطفا مع هذا المنتخب "الشقيق" خلال المونديال، فهل يعني ذلك أن كل من شجع الفريق الجزائري مساند للأطروحة الانفصالية؟
لقد قفز أيضا على مسألة مهمة عندما اعتبر أن زياراته المتكررة إلى الأقاليم الجنوبية وتنقله في شوارعها ومقاهيها بكل حرية - رغم ما قاله عن مراقبته من طرف "المخابرات المغربية"- دليل على أن الوضع عاد للغاية بهذه الربوع، علماً أنه لن يسمح حتما لأي صحفي مغربي بزيارة لا مخيمات تيندوف ولا أي شبر في الجزائر، اللهم إلا إذا كان ممن يتبنون مواقف معادية لمصالح المغرب، أو من نوعية "كاري حنكو".
وليت السيد أنور يفسر لنا ما الذي يمكن أن يسمعه صحفي مغربي من أفواه سكان منطقة القبائل مثلاً إذا أتيحت له فرصة لقائهم، وهذا أمر مستحيل طبعا؟
وهل من المنطق أن نبني موقفاً ع
لا أدري ما مدى صحة ما تناقلته الصحافة الوطنية في الأسابيع القليلة الماضية حول غضبة قبيلة صحراوية، والكلام الكبير الذي أطلقه شيوخها، ووصل حد المطالبة بتفعيل "معاهدة الحماية" الإسبانية من جديد، وسحب الوثائق التي دعمت بها هذه القبيلة ملف المغرب وموقفه أمام محكمة العدل الدولية..
فالأمر هذه المرة لم يعد مجرد نزوة، أو مناورة، أو لعبة تحرك خيوطها جهات من الداخل أو الخارج، بل أصبحنا أمام لحظة مفصلية سيكون لها حتما ما بعدها.
ومعلوم أن الخوض في موضوع الصحراء، هو مجازفة محفوفة بالمخاطر، خصوصا بالنسبة لمن يتعاطون مع المشكل في العمق وليس من باب الإثارة المجانية، ولذلك نلاحظ أن جل ما يكتب في هذا المجال لا يخرج عن السفسطة أحيانا، وعن الرسائل غير المباشرة التي تحاول بعض الجهات توجيهها عبر الصحافة أحيانا أخرى، بينما نادرا ما ينفذ كاتب أو محلل إلى العمق، ليس لأن هذا الموضوع ظل لعقود ممنوعا على التناول من طرف الأكاديميين والسياسيين والناس أجمعين، ولكن لأنه لا أحد مستعد لا اليوم ولا غدا، لفتح نقاش وطني حقيقي حول قضية مصيرية كلفت المغرب كثيرا جدا على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
وبدون نقاش من هذا النوع، سنظل عرضة للمفاجئات وللحوادث الخارجة عن السياق، التي تقف أمامها حتى سلطات القرار عاجزة مكبلة، فتلجأ إلى أساليب "العار" لحل معضلات معقدة تتطلب استراتيجيات واضحة وفرق عمل متخصصة.
وهذه نقطة ضعف المغرب ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ليس في ملف الصحراء فقط، بل في كل الملفات الكبرى، التي أصبحت محكومة بقوله تعالى "كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا"..فنحن حين نكون أمام قرار مصيري في أي مجال من المجالات، علينا ألا نستغرب إن اكتشفنا في النهاية أن من يقف وراءه هو ربما أصغر موظف في القطاع المعني، الذي أحيل عليه الملف بحكم "الاختصاص"، فاجتهد..ورفع خلاصة "اجتهاده" إلى من فوقه، لنسمعه بعد ذلك يردد في المقاهي الشعبية أنه هو من أبدع ذلك "الإنجاز"، سواء تعلق الأمر بجواب عن سؤال شفوي تحت قبة البرلمان، أو بما هو أكبر وأخطر..
ومن يعرفون كيف تسير الأمور في كواليس القطاعات الحكومية وغيرها من الأجهزة "المختصة" يدركون أكثر من غيرهم معنى هذه الإشارة..التي لا مجال لمزيد من التوضيح فيها على الأقل في الوقت الحالي..
هل سمعتم يوما أن أية جهة رسمية، طلبت من أية جامعة من الجامعات أو كلية من الكليات، تقديم تصورها حول موضوع من المواضيع، فالجامعة المغربية -رغم كل ما يقال عنها- تظل مع ذلك مؤسسة للفكر والتفكير والاستشارة؟
بل هل سمعتم يوما أن وزيرا ما أو مسؤولا عن قطاع ما دعا باحثا أو خبيرا مغربيا إلى مكتبه للاستئناس بآرائه في ملف من الملفات؟
الجواب الوحيد الممكن هنا هو "لا"، النافية والناهية..
نافية لأن أصحاب الشأن عندنا لا يمكنهم أن يتنازلوا عن "السلطة المطلقة"، إلا لأعضاء دواوينهم الذين كثيرا ما أوقعوهم في ورطات حقيقية أثارت السخرية والشفقة..
وناهية، لأن أي أكاديمي أو باحث يخوض في ما لا يعنيه، سيسمع حتما ما لا يرضيه..
وبشكل مباشر، في الجامعة المغربية عشرات من الأدمغة القانونية ومن المختصين في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، ولا شك أن الأجهزة المعلومة قادرة على تحديد أسماء اللامعين منهم الذين لا يقايضون النقط بـ"الليالي الملاح" مع الطالبات، أو بقنينة "شامبانيا" مستوردة من بوردو..والذين يملكون فعلا رصيدا معرفيا يجعلهم في مصاف العلماء والأكاديميين المبرزين…فهل طلب من أحد هؤلاء في أية لحظة مثلا، إلقاء نظرة ولو على الغلاف الخارجي لـ"ملف الصحراء"، والمساهمة كمواطن مستنير بنصيبه في الدفاع عن الوحدة الترابية؟
إن الخطر الوحيد المحدق بهذا الملف هو تحويله من قضية مصيرية تهم شعبا بأكمله، إلى قضية مكاتب مغلقة، وكواليس، وموظفين يفكرون في اتجاه واحد.
والأزمة التي أراها قادمة، أكبر بكثير جدا مما قد نتصور، لأننا أمام تراكمات ستقود حتما على ما هو أسوأ، ليس بالنسبة لقضية









